ماذا يحتاج العمل الإنساني في اليوم العالمي للصليب الأحمر والهلال الأحمر؟
أ. عبدالله بن سهيل المهيدلي
أمين عام المنظمة العربية للهلال الأحمر والصليب الأحمر
يحلّ اليوم العالمي للصليب الأحمر والهلال الأحمر في الثامن من مايو 2026م تحت شعار: “متحدون في كنف الإنسانية”، ضمن حملة: “إبقاء الإنسانية حيّة”، في مناسبة عالمية تتجاوز الطابع الاحتفالي إلى استحضار المعاني العميقة للمبادئ الإنسانية التي قامت عليها الحركة الدولية للهلال الأحمر والصليب الأحمر، وفي مقدمتها: الإنسانية، والحياد، وعدم التحيّز، والاستقلال، والعمل التطوعي، والوحدة، والعالمية.
وتكتسب هذه المناسبة أهمية استثنائية في ظل ما يشهده العالم من تصاعد غير مسبوق في الأزمات الإنسانية والكوارث الطبيعية والنزاعات المسلحة، الأمر الذي يجعل الحاجة أكثر إلحاحًا لتعزيز التضامن الإنساني، وترسيخ ثقافة الاستجابة السريعة، وتوسيع نطاق الشراكات العابرة للحدود، والعمل على تحويل الاستجابة الإنسانية من تدخلات طارئة قصيرة الأمد إلى إدارة مستدامة للأزمات الممتدة والمعقّدة.
ويواجه العمل الإنساني اليوم تحديًا بالغ الخطورة يتمثل في اتساع الفجوة التمويلية، ما يستوجب تحفيز الجهات المانحة وتعزيز الشراكات الدولية لتأمين الموارد اللازمة لاستمرار العمليات الإنسانية. وفي هذا السياق، أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر خفض ميزانيتها لعام 2026م بنسبة 17%، في مؤشر واضح على حجم التحديات التمويلية التي تهدد قدرة المؤسسات الإنسانية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة حول العالم.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى دعم آليات التنسيق الإنساني، وتعزيز جهود توطين العمل الإنساني وصونه وحمايته، بما يضمن وصول المساعدات الإنسانية المحايدة والمستقلة وغير المتحيّزة إلى الأشخاص الأكثر احتياجًا أينما كانوا، بعيدًا عن أي اعتبارات سياسية أو تمييزية.
ولم يعد هذا اليوم مجرد مناسبة رمزية، بل أصبح مرآة لواقع إنساني شديد التعقيد، ومنصة عالمية للدعوة إلى تعزيز التضامن الدولي، وتسهيل وصول المساعدات المنقذة للحياة، وضمان سرعة الاستجابة الإنسانية وكفاءتها وفعاليتها؛ حفاظًا على الأرواح، ومنعًا لانهيار سبل العيش، وتحسينًا لجودة الحياة في المجتمعات المتضررة.
كما تبرز أهمية تعزيز الاستجابة الإنسانية لمتضرري الكوارث المناخية والنزاعات المسلحة، من خلال بناء قدرة المجتمعات على الصمود والتعافي، إلى جانب حث أطراف النزاعات على احترام مبادئ القانون الدولي الإنساني والامتثال لقواعده؛ للحد من الانتهاكات وحماية المدنيين والعاملين في المجال الإنساني.
وفي هذا الإطار، تزداد الحاجة إلى ضمان أمن وسلامة المسعفين والمتطوعين والعاملين في الخطوط الأمامية، وتأمين الحماية اللازمة لهم؛ لمنع تعرضهم للاعتداءات والانتهاكات التي تهدد حياتهم أثناء أداء واجبهم الإنساني. فقد شهد عاما 2024 و2025 سقوط المئات من العاملين الإنسانيين والمتطوعين أثناء تأدية مهامهم، في مشهد يعكس حجم المخاطر التي تواجهها الكوادر الإنسانية في مناطق النزاعات والكوارث.
ويمثل هؤلاء المتطوعون والمسعفون العمود الفقري لأي استجابة إنسانية فعّالة، إذ يعملون في ظروف بالغة التعقيد لتخفيف معاناة الإنسان دون تمييز على أساس الدين أو الجنسية أو العِرق أو الانتماء السياسي، ويجسدون بأعمالهم أسمى معاني الرحمة والتضامن الإنساني.
ومن الواجب الإنساني والأخلاقي تكريم جهودهم وتسليط الضوء على تضحياتهم الكبيرة، لا سيما في ظل ما يواجهونه من ضغوط نفسية هائلة نتيجة تعاملهم المباشر مع المآسي الإنسانية والمشاهد القاسية، وما يترتب على ذلك من آثار نفسية وإجهاد صدمات واحتراق مهني بسبب ساعات العمل الطويلة والظروف الاستثنائية المحيطة بعملهم.
كما أن المرحلة الحالية تتطلب الاستثمار بصورة أكبر في بناء قدراتهم، وتمكينهم بالتدريب والتقنيات الحديثة، وتعزيز ثقافة التطوع بوصفها ركيزة أساسية لتحويل المجتمعات من متلقية للمساعدات إلى شريك فاعل في إدارة الأزمات والتخفيف من آثارها، بما يعزز التماسك الاجتماعي ويُرسّخ قيم التعاون والتكافل.
ومن هذا المنطلق، فإن غرس ثقافة التطوع في نفوس الشباب والشابات يمثل ضرورة استراتيجية لبناء جيل أكثر وعيًا بالمسؤولية الإنسانية وأكثر قدرة على الإسهام الإيجابي في خدمة مجتمعاته. كما تبرز أهمية نشر الوعي بالإسعافات الأولية، باعتبارها إحدى أدوات حماية الأرواح وتعزيز سلامة المجتمع، حيث يمكن للتدخل السريع والسليم في اللحظات الحرجة أن يصنع الفارق بين الحياة والموت.
إن اليوم العالمي للصليب الأحمر والهلال الأحمر يمثل دعوة عالمية متجددة لتعزيز احترام المبادئ الإنسانية، وفي مقدمتها الحياد، وعدم التحيّز، والاستقلال، والنزاهة، والعمل على ضمان عدم تسييس المساعدات الإنسانية، والحفاظ على الكرامة الإنسانية، وترسيخ قيم الرحمة والإيثار والتضامن بين الشعوب.
كما لا يمكن إغفال الأدوار المتنامية التي تضطلع بها الجمعيات الوطنية للهلال الأحمر والصليب الأحمر في تعزيز الاستجابة الإنسانية، وبناء قدرات المجتمعات، ودعم جهود الاستعداد للكوارث والتعافي منها، بما يعكس مكانتها المحورية داخل المنظومة الإنسانية الدولية.
وفي الختام، فإن اليوم العالمي للصليب الأحمر والهلال الأحمر ليس مجرد مناسبة عابرة، بل رسالة إنسانية عالمية تؤكد أن الإنسانية ستظل القاسم المشترك الذي يوحّد البشر مهما اختلفت أوطانهم وأعراقهم ولغاتهم، وأن إنقاذ الإنسان سيبقى أسمى القيم وأعظم الرسائل.
إنه يوم للاحتفاء بالأمل والتضامن في مواجهة الكوارث والنزاعات والأزمات الصحية، ويوم لتكريم أولئك الذين يعملون بصمت في أصعب الظروف لإنقاذ الأرواح وصون الكرامة الإنسانية. ومن هنا، فإن مسؤوليتنا الجماعية تقتضي العمل على تأمين الحماية والتمويل والتضامن؛ لضمان استمرار الخدمات الإنسانية المنقذة للحياة، وإبقاء الإنسانية حيّة في عالم تتزايد فيه التحديات.